Fujiatlas 2057 World Group Official Website
Flag
Flag

كلمة الأستاذ الأكاديمي محمد القوائمي صديق الطفولة بمراكش

 

بسم الله الرحمن الرحيم

لأخ العزيز الحاج محمد الزكريوي، حفظك الله ورعاك وأعانك ووفقك أينما حللت وارتحلت، وتحية حارة لك ولصحبك الأكرمين ، ولفضاء بوكور الجميل ، بمناسبة عيد الثقافة "الفوجي- أطلسية" ، المصادف للذكرى الثانية لمثيله الذي عشناه جميعا بمدينة بوتراجايا الخلابة في 03 نونبر 2013 ، ذاك العيد السعيد الذي حظيت بحظ مشاركتكم إياه في أرقى الأجواء وأبهى الأفراح، والذي لا ريب سيبقى خالدا بين ذكريات الإخاء والتعارف والصداقة والثقافة في أبعادها المتعددة. وهذا ما يجعلني لا أشك البتة في أن عيدكم هذا سيستفيد من إرث الأعياد السابقة ومن أصوله اليابانية ليضيف قيمة مضافة، أغنى وأقنى، إلى كل ما تراكم من تجارب متنوعة لدى"عالم فوجي أطلس للتبادل". إذن فعيدكم مبارك وموفق وسعيد، وكل الأعياد والسعادة والنجاح والفلاح حلفاؤكم بعون الله وتوفيقه...


وبعد، ترى من أي منطلق يمكن الشروع في الحديث عن أحداث وذكريات كانت أساسية في تأثيت فضاء زمني يغطي زهاء خمسة عقود؟ فيالحقيقة إن كل تناول لمسار كهذا إلا ولا بد أن يكون إنتقائيا بامتياز، ولكن الإنتقاء مهما كان مستواه سيغدو متعذرا مع هذه التجربة المتماسكة الأطراف والتي لا تسمح بأي بياض بين حلقاتها ذات الإرتباط الوثيق والعناصر المتداخلة. ذلك أن الإنطلاقات الأولى لأخينا الحاج محمد الزكريوي في مجال الأسفار والمغامرات والترحال بحثا عن بدائل حياتية مفترضة، لم تكن وليدة تخطيط قبلي دقيق ومحكم، ولا تحديد مبدئي مسبق لشكلها ومضمونها، وإنما كانت منقادة لشبه حاسة سادسة، أو مشاعر حدسية متداخلة، تشي جميعها بأن كل إنتقال من الراهن إلى الغيب إلا ولابد أن يكون أحلى... ومن تم فإن ذاك التداخل والتشابك يجعلان جوهر التجربة مستعصيا عن كل انتقائية. أما التناول الكرونولوجي أو البيوغرافي المرتكز على التفاصيل فإنه سيتطلب بالضرورة ركاما من الصفحات وتراكما من الأيام، حتى يأتي كاملا متكاملا بنقله ما كان إستشعارا غيبيا متخيلا إلى واقع معيش ملموس. وربما قد يحين قريبا زمانه ليستجمع شتات الأزمنة المكونة لمختلف حلقاته،إستجماعا قد يتجسد في تتويج جميل ورائع (تدشين إنجاز إستثماري ضخم، تجميع وثائق تسجيلية سمعية بصرية، إصدار كتاب/سيرة ذاتية...) يليق بمسار طويل طالما تعددت منعرجاته حتى إستحال عدها، وتباعدت محطاته إلى أن أضحى متنازعا حول خطوصولها بين الغد والأبد. وإن هذا التمدد في الأمل والزمان والمكان يجعلنا نقف مشدوهين أمام الصمود الأسطوري لصاحب التجربة, حفيد إبن بطوطة، الحاج محمد الزكريوي, الذي ظل يشد الرحال بشكل متجدد إلى بلد أو فكر أوهدف ظل يراه بلا ملل قريبا, بينما يراه الآخرون بعيدا. لقد شد الرحال إلى ما شد إليه رحاله بعزم وعزيمة يرفضان إحتمال الهزيمة، وببالغ الإصرار على الإنتصار ، كساع إلى حرب ضروس، يأبى العودة منها إلى قواعده سالما مهما تكررت فرص إستراحة المحارب، وكأنه يطبق عمليا قول الشاعر العربي (المقتبس أصلا من التجربة الحربية البطولية للقائد المغربي طارق بن زياد)، "أحرقت من خلفي جميع مراكبي / إن الهوى أن لايكون إيابا"، ولذلك فهو يعيش اليوم الذي هو فيه بإيقاع متعدد، لا يبالي خلاله لا بغرابة ولا غربة ولا إغتراب، ولسان حاله يقول مرة أخرى مع شاعر آخر ، "إذا كان الناس جميعا من تراب / فكلها بلادي، وكل العالمين أقاربي"...


وبالعود على البدء، أشير كواحد من جيل الحاج الزكريوي، إلى أن فترة المراهقة الممتدة بين 1965 و 1970، بالنسبة لنا (نحن مجموعة من الأصدقاء بمراكش- المدينة ، ومن نفس الوسط الإجتماعي الشعبي) قد مرت مرور السحاب، مع ما عشناه خلالها، وخصوصا في نهاياتها من تجارب الإكتشاف والانبهار (رياضة، رحلات، موسيقى وغناء، ثقافة ومثاقفة، ممارسة بعض الأنشطة الموسمية المدرة لدخل جد محدود، مع المواظبة المشتركة على حضور دروس الفقيه مولاي أحمد أبي عبيدة...). مرت تلك الفترة بسرعة البرق، وكان من أهم مميزاتها التألق المبكر والملحوظ للأخ محمد الزكريوي في كل تلك الأنشطة، و بشيء من التهور والمغامرة والإندفاع. وذاك ما أهله عمليا ليصبح في ظرف 

 

وجيز نافذتنا التي أطللنا منها ماانخرط في تحفز دائم للطيران حول العالم، منذ بداية سبعينيات القرن الماضي، بدءا برحلة إلى الديار المقدسة لأداء مناسك العمرة والحج، لتتلوها مباشرة رحلة فرحلات إلى اليابان، وبينه وبين كثير من البلدان الأسيوية والمشرقية والأوروبية والأمريكية... أما عن نشاطه الأول والرئيسي باليابان، فلقد كان نزاعا إلى التخصص في المعلى العالم الكبير مع إطلالة عشرينياتنا، إذ سرعان عارض التجارية الكبرى والدولية, إعدادا وتنظيما وتنشيطا ومشاركة، وخصوصا في ميدان الصناعة التقليدية (بل الصناعات التقليدية العالمية)، التي عرفت معه لقاءات ومواسم وأعيادا، أقل ما يقال فيها هو أنها كانت متألقة حتى أبهى مايكون التألق. وفي كل الأحوال، فهو الجدير - مع ثلة من شركائه ومساعديه في المعارض- بالحديث المفصل عن تفاصيل الإبداع التجاري ذي الصبغة الثقافية، أو الإبداع الثقافي ذي الصبغة التجارية،إنطلاقا من "الحديقة المغربية" بمدينة كوبي اليابانية، ومرورا بأنشطة شركته الغالية "دجاكتيك انتيرناسيونال"، ووصولا إلى مؤسسته الإفتراضية الراهنة "عالم فوجيأطلس للتبادل"... 


وإذا كان لي بعض الحق في إبداء شيء من الإنطباع الشخصي، كصديق منالصف الأول –حسب اعتقادي- من بين صفوف أصدقاء الحاج الزكريوي (وهي صفوف طويلة وكثيرة كما يعلم الجميع) وخصوصا حول تجربته كرجل أعمال وأفكار من نوع خاص جدا، ومن منظور فكري صرف، علما بأن ظروفي الذاتية والموضوعية لم تسعفني قط، للأسف، من زيارته باليابان، ولا أن أشهد معه بعض فتوحاته الثقافية وإنجازاته التجارية هناك (بخلاف بعض الأقارب والأصدقاء من ذوي الحظوظ العظيمة) ... من هذا المنظور الفكري، وإن كنت لا أجادل في النجاح والتألق والأهمية والتطور، مما عرفته التجربة قيد التعليق، سواء من حيث السعة  والحرج، أو الطلوع والنزول، أو السطوع والخفوت... لأن هذه الأمور الإقتصادية والتجارية والمالية تتجاوز كثيرا إدراكي المتواضع، وكلما حاولت إستيعابها - بتأطير قسري من صاحبها- , أجد نفسي كمن يحاول إدخال العفريت في الإبريق، أو إخفاء الفيل في المنديل... لذلك سأترك كل ذلك جانبا لأتوقف قليلا مع الجانب الإنساني المزاجي التلقائي لأخينا المحتفى به، وهو جانب قد يكون له من الأهمية والخطورة بالغ التأثير على الجوانب الأخرى ... وإذا قال أديب عربي ذات يوم، "من لم يحركه العود وأوتاره، والربيع وأزهاره، فذاك صعب المزاج ليس له علاج." ، فإن حفيد إبن بطوطة يوجد في الإتجاه المعاكس تماما لطرح الأديب المذكور . فهو الذي تحركه بسهولة جميع أنواع الأوتار، وتطربه في يسر كافة النغمات، إلى درجة إنخراطه تلقائيا معها في غناء تلقائي، تارة بلسان عربي مبين، ومرات بلهجات أعجمية عجيبة وغريبة. وهو الذي يهتز لكل المناظر الطبيعية الجميلة، ولو كانت ربيعا بلا أزهار، أو أزهارا بلا ربيع، أو حتى "طبيعة ميتة" في لوحة فنان (وربما قد يكون هذا من بين الأسباب التي وطدت علاقاته الإنسانية مع صديقه الفنان الياباني العالمي الكبير، الراحل ماسارو ناكانيشي)... وإنني إذ أتمنى بعمق وصدق أن يظل أخونا الحاج الزكريوي سعيدا "بترحاليته وإبنبطوطيته"، دائما وأبدا وفي أرقى درجات السعادة، (فكما يقول الشاعر، "معاذ الهوى/ أن يكون المنى/ طريقا، إلى غير ما يسعد.)، فإنني أيضا، وبناء على التصورات السالفة وأخرى غيرها معها،وإعتبارا لما عرفته الدراسات الإنسانية والجغرافية والإتنولوجية والأنتروبولوجية من مناهج ومقاربات حديثة لدراسة تاريخ الشعوب وحضاراتها، والعمل على تيسير التعايش والتواصل والتعاون والتبادل بينها... بناء على كل ذلك، فإنني لكم تمنيت , بيني وبين نفسي، أن يخفف الأخ الحاج من نزعته الابنبطوطية، مكتفيا بإنتمائه لأب البشرية الأول (إذ يحب أحيانا أن يلقب نفسه بإبن آدم) ، ليكون إنسانا ذا إنسانية نسبية وموضوعية، تجعل منه مستثمرا ماهرا، أو فنانا مقتدرا، أو مبدعا كبيرا في أحد المجالات التي أطل على بعضها خلال مسيرته الحياتية... تمنيت لو اختارسيدنا الحاج الذي يحب المواعظ والذي سبقت له المشاركة في مسابقات الترتيل والتجويد منذ عتبات المراهقة، أن  يكون فقيها وإماما ومقرئا، يعمل على إنعاش مشاعر المؤمنين، وعلى تنبيه الغافلين، وتنهمر لقراءته الدموع  مدرارا على صدور الخاشعين... تمنيت لو كان الصديق الحاج محمد منشدا أو مغنيا أو مطربا بحنجرة ذهبية وصوت صداح, أو عازفا ماهرا على آلة مبتكرة إكتشفها في نومه، أو إكتشفته في يقظته، فيحقق بها الإبداع ، وترقى به إلى العالمية .. وهو الذي كان الغناء من هواياته الأولى ، فظل يغني ويغني، ولعله لا يزال يغني، إنما قد يختلف الغناء باختلاف مراحل العمر... تمنيت لو كان بطلنا رياضيا بارعا، أو محاربا مغوارا، ممتشقا أجمل الصوارم،  ومحتزما بالتدرج أحزمة مختلفة ألوانها من الزاهية إلى الحالكة، وذلك من خلال رعايته لإحدى مواهبه الأولى، المتعلقة بالفنون الحربية اليابانية (الجيدو ، الكاراطي ، الأيكيدو...) التي بدأ مزاولتها 

 

بمراكش مع أصدقائنا مبارك لقبر وأحمد بن لمقدم ومحمد العزيزي... وحبذا لو كان صاحبنا شاعرا أو زجالا أو منشطا إعلاميا، وهو الذي يستلذ فن القول ويبرع فيه، حتى "يستفرع" من القولة الواحدة أقوالا وأقاويل عديدة، يرددها الحكماء حينا ويلهو بها الغاوون أحيانا... كان بالإمكان أيضا أن يكون الأستاذ الزكريوي مهندسا فنيا، أو فنانا تشكيليا متميزا كصديقه الياباني السالف الذكر. ولقد دلت بوضوح على ذلك تجاربه السابقة في إبتكار رسوم للصناعة التقليدية، أو في رسم خطاطات لبرامج المشاريع والمعارض والمهرجانات. فكانت أعماله بهذا الصدد، متضمنة لكل الألوان التي عرفها التاريخ الفني للبشرية، وموظفة لكل الأشكال الهندسية من تربيع وتثليت وتدوير وملء وإفراغ و تنصيع وتعتيم، مع إستقصاء كل الأشكال ذات الأضلاع، مع أشكال أخرى يتخيلها بلا أضلاع ولا زوايا، فتضحي خطاطاته لوحات ذات بهجة، تسر الناظرين حتى ولو لم يتبينوا قيد أنملة من مضامينها...
وهناك مهارة أخرى، بالغة الأهمية، سخرتها التجربة لأخينا الحاج ومكنته من إتقانها، إنها اللغة اليابانية التي كان بالإمكان أن تكون له بمثابة جسر ثابت بين بلده الأول، المغرب، وبلده الثاني، اليابان، في انتظام منتظم ذهابا وإيابا وأخذا وعطاء...ولكن أخانا الحاج لا يستسيغ بطبعه أي ثبات، فثوابته دوما هي التحول والتنقل والتحليق في الأعالي، وغيرها في إعتقاده ركود وتقوقع والتصاق بالأرض، ولعل فلسفته في ذلك هي أن "من يخش صعود الجبال / يعش أبد الدهر بين الحفر" كما قال الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي. وشعاراته التي ما فتئ يرددها بقصد تبرير مواقفه هي أن "الشعوب والقبائل خلقوا ليتعارفوا" ، "ولا يزالون مختلفين" ، "وكل ميسر لما خلق له" ، "ومن كتبت عليه خطى مشاها"، "وما تشاؤون إلا أن يشاء الله" ،  وحسبه ذلك...


وبعد مرة أخرى، فتلك حال إبن بطوطة الحفيد، وأكيد أنها لن تعرف تغييرا جذريا إلا عندما يلج الجمل في سم الخياط. ولقد كان الهدف من إستعراض التمنيات والتصورات أعلاه، هو التذكير - فحسب-  بنماذج  من التجارب والممارسات والهوايات والأنشطة التي صادفها، أو صادفته، في مسيرته الحياتية، التي تظل قراءة صاحبها لها، ورضاه عنها، وإعتزازه بها، من أجمل مميزاتها ، إن لم تكن أجملها على الإطلاق...


ويبقى للختم سؤال التقويم، تقويم التجربة في شموليتها، حتى حدودها الراهنة، مع مساءلة إمكانات امتداداتها المستقبلية. ترى من سيقوم بجرد الأعمال التي أنجزها "عالم فوجي-أطلس للتبادل" ، ومتى، وبأي هدف... تلك الأسئلة، ومثلها معها، سيجيب عنها بعون الله الأستاذ محمد الزكريوي وصحبه الأقربون الكرام، في أحد الأعياد الثقافية الفوجي- أطلسية القادمة، التي نرجو الله الحليم الكريم أن يعيد عليهم - وعلينا معهم – أمثال أمثالها، أعيادا عديدة، في أسعد الأيام وأجمل الليالي وكل عيد وأنتم سعداء، وبألف خير إن شاء الله،  والسلام عليكم ورحمة الله .


محمد القوائمي الأستاذ الأكاديمي بمراكش المغرب 3 نوفمبر2020